الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
536
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
« وما يعقلها » أي : صفة الضرب فيها بحقّ ، والجري فيها على عرق . « إلّا العالمون » بذاك الفن لا كلّ من ادّعى . وحيث إنّ المصنّف قال : « لا يعرف ما أقول إلّا من ضرب في هذه الصناعة بحق » رأيت نقل ما قاله الأدباء على لسان أهل الصناعات في وصف صناعة الكلام بمناسبة صناعتهم . قالوا : « قال الصيرفي : خير الكلام ما نقدته يد البصيرة وجلته عين الروية ، ووزنته بمعيار الفصاحة . فلا نظر يزيفه ، ولا سماع يهرجه . وقال الجوهري : أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الكفرة . ونظمته الفطنة ووصل جوهر معانيه في سمّو ألفاظه . فاحتملته نحور الرواة . وقال العطّار : أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه . ففاح نسيم نشقه ، وسطعت رائحة عبقه ، فتعلّقت به الرواة ، وتعطّرت به السراة . وقال الصائغ : خير الكلام ما أحميته بكير الفكر ، وسبكته بمشاغل النظر ، وخلصّته من خبث الإطناب . فبرز بروز الابريز في معنى وجيز . وقال الحدّاد : أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة القريحة ، وأشعلت عليه نار البصيرة . ثم أخرجته من فحم الاقحام ، ورققته بفطيس الأفهام . وقال النجار : خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير . وانشرته بمنشار التدبير . فصار بابا لبيت البيان ، وعارضة لسقف اللسان . وقال الخياط : البلاغة قميص فجر بأنه البيان ، وجيبه المعرفة ، وكماّه الوجازة ، ودخاريصه الأفهام ، ودروزه الحلاوة ، ولا بسه جسد اللفظ ، وروح المعنى . وقال البزاز : أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه ، وحسن نشر معانيه . فلم يستعجم عليك نشر ، ولم يستبهم عليك طيّ .